تصدق ولو بشق تمرة

 عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ. وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»؛ وفي رواية: « فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ».

 

وفي رواية للبخاري: قال عدي: بَينا أنا عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِذا أتاهُ رجُلٌ فشَكا إِليهِ الفاقَةَ، ثمَّ أتاهُ آخَرُ فشكا إِليه قَطعَ السبيل، فقال: يا عَدِيُّ، هل رأيتَ الحِيرةَ؟ قلت: لم أرَها، وقد أُنبِئتُ عنها. قال: فإِن طالتْ بكَ حَياةٌ لتَرَيَنَّ الظَّعينةَ تَرتحِلُ منَ الحِيرةِ حتى تَطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ أحدًا إِلا اللهَ ـ قلتُ فيما بيني وبينَ نفْسي فأُين دُعّارُ طَيء الذينَ

 

قد سَعَّروا البلادَ؟ ـ ولئنْ طالَتْ بكَ حياةٌ لتُفتَحنَّ كُنوزُ كِسرَى، قلتُ: كِسرَى بن هُرمُزَ؟ قال: كِسرَى بنِ هُرمُزَ، ولئنْ طالت بكَ حياةٌ لَتَرَينَّ الرجلَ يُخرجُ مِلْءَ كفِّهِ من ذهبٍ أو فضةٍ يَطلُبُ مَن يَقبلهُ منهُ فلا يَجِدُ أحدًا يَقبلهُ منه......... قال عديٌّ: فرأيتُ الظعينة ترتحلُ منَ الحِيرةِ حتى تطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إِلا اللهَ، وكنتُ فيمن افتتحَ كنوزَ كسرَى بنِ هُرمُزَ، ولئنْ طالت بكم حياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قال النبيُّ أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: يُخرجُ مِلءَ كفه».

 

شرح ألفاظ الحديث:

((تُرْجُمَانٌ)): بفتح التاء وضمها يجوز الوجهان، والترجمان هو المفسر للكلام الموضح له عن لسان بلسان آخر.

 

((أَيْمَنَ مِنْهُ، أَشْأَمَ مِنْهُ)): أي عن يمينه وشماله، مأخوذ من اليد اليمنى والشؤمى، والشؤمى تأنيث أشأم؛ [انظر المفهم (3/62) وانظر النهاية مادة (شأم) ].

 

((فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)): شق التمرة نصفها وجانبها، والمعنى اجعلوا بينكم وبين النار وقاية من الصدقة وعمل البر ولو بشيء يسير قدموه.

 

((فشَكا إِليهِ الفاقَةَ)): الفاقة هي الفقر وقلة ذات اليد.

 

((فشكا إِليه قَطعَ السبيل)): أي قطع الطريق.

 

((هل رأيتَ الحِيرةَ)): الحيرة: بكسر الحاء وسكون الياء وفتح الراء، كانت بلدة تحت ملك فارس، تبعد عن الكوفة ثلاثة أميال على موضع يقال له النجف، وهذه البلدة كانت مسكنًا لملوك العرب في الجاهلية وكان ملكهم يومئذ إياس بن قبيصة الطائي وليها بعد قتل النعمان بن المنذر، ولهذا قال عدي بن حاتم: (فأين دُعّارُ طَيء)؛ [انظر الفتح (6/748) حديث (3595) وانظر أطلس الحديث النبوي لشوقي أبي الخليل ص (157)]

 

(لتَرَيَنَّ الظَّعينةَ): الظعينة هي المرأة في الهودج، والظعينة في الأصل اسم للهودج.

 

((فأين دُعّارُ طَيء الذينَ قد سَعَّروا البلادَ)): (طيء) قبيلة مشهورة منها عدي بن حاتم راوي الحديث، وبلادهم ما بين العراق والحجاز، وفي هذه القبيلة (دعار) وليس عيبًا في هذه القبيلة وإنما كما يكون في سائر القبائل، والدعار جمع داعر وهو الخبيث المفسد قاطع الطريق، (دعار) غير (ذعار) من الذعر وهو الفزع، فالمقصود بالدعار قاطع الطريق.

 

((قد سَعَّروا البلادَ)): أي أوقدوا نار الفتنة وملأوا الأرض شرًا وفسادا. [انظر الفتح (6 / 749) حديث (3595)]

 

((كنوزَ كسرَى بنِ هُرمُزَ)): المقصود به ملك فارس، وقال النبي-صلى الله عليه وسلم- (كسرى) لأنه الذي يملكهم في ذلك الوقت كسرى بن هرمز والعرب يملكهم النعمان بن المنذر في الحيرة ثم قتل، وكسرى كان عظيمًا في نفسه ذلك الوقت ولذا استفهم عدي متعجبًا فقال: كسرى بن هرمز.

 

((فلا يَجِدُ أحدًا يَقبلهُ منه......... قال عديٌّ)): المحذوف هنا في معنى حديث الباب حذف اختصارًا، ولفظه....

 

(فلا يجد أحدًا يقبله وليلقين الله أحد يوم يلقاه وليس بين وبينه ترجمان يترجم له، فيقولن: ألم أبعث إيك رسولًا فيبلغك؟ ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، قال عدي - رضي الله عنه -: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، قال عدي: فرأيت..)) الحديث.

 

من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: في حديث عدي - رضي الله عنه - الحث على الصدقة ولو كانت قليلة حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)، (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)، وتقدم معنا الكلام عن الكلمة الطيبة، وهي ما فيها تطييب لقلب إنسان سواء كانت مباحة ومشروعة وهذا من باب أولى.

 

الفائدة الثانية: الحث على الصدقة والكلمة الطيبة في حديث الباب يشير إلى أمرين:

الأولأن الصدقة ولو بالقليل والكلمة الطيبة سببان من أسباب النجاة من النار.

الثاني:عدم احتقار القليل من العمل وأنه مقبول، فالصدقة وإن قلَّت، والكلمة الطيبة قد ينجيان العبد من النار.

 

الفائدة الثالثة: حديث الباب يدل على أن لكل عبد لقاء مع الله جلَّ وعلا، وهذا اللقاء يتميز بما يلي:

أ- أن الله عز وجل سيكلمه.

 

ب- أنه سينفرد بربه ليس بينهما أي أحد لا يحتاج إلى أي مترجم يترجم بينه وبين الله جل وعلا.

 

ج- ليس هناك حجاب يحجبه عن الله جل وعلا.

 

د- أنه في ذلك الموقف سيرى ما قدَّم محيطًا به عن يمينه وشماله.

واختلف في سبب التفاته يمنيا وشمالا: فقيل: إن حاله كالإنسان الذي داهمه أمر فيلتفت يمينًا وشمالًا يطلب فيه العون.

 

وقيل: إن سبب الالتفات رجاء أن يجد طريقًا يذهب فيها ليحصل النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يفضي إلى النار لأنه جاء في رواية البخاري " فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم"؛ [انظر الفتح (11 / 492) حديث (6539)].

 

هـ - أن النار في ذلك الموقف قربية منه تلقاء وجهه لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: " وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه "فيا له من موقف عظيم نسأل الله فيه النجاة والسلامة، وفيه دليل على قرب النار من أهل الموقف.

 


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/155667/-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AB-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D9%82%D8%A9-%D9%88%D9%84%D9%88-%D8%A8%D8%B4%D9%82-%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A9%D8%8C-%D8%A3%D9%88-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%B7%D9%8A%D8%A8%D8%A9%D8%8C-%D9%88%D8%A3%D9%86%D9%87%D8%A7-%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B1/#ixzz7X7i9iIpY

Commentaires